معضلة باكستان الديمقراطية على حافة الهاوية السياسية
أكتوبر 03, 2023
تصاعد الصراع الدائر في باكستان بين حركة إنصاف الباكستانية بزعامة عمران خان والحكومة الائتلافية لرئيس الوزراء شهباز شريف إلى مستويات جديدة، واتسعت الهوة السياسية أكثر، وتضاعف الانقسام الاجتماعي، كل ذلك في سياق العداء الشعبي لمؤسسات الدولة. كما زاد هذا الصراع من احتمالات الفوضى والحرب الأهلية. بينما تدرس الحكومة جميع الخيارات القانونية لإعلان حركة إنصاف منظمة إرهابية، قرر خان إطلاق مسيرة شعبية ضخمة تاريخية ضد الحكومة والمتعاونين معها، المشتبه بهم من قِبَل المؤسسة العسكرية. حدث هذا في الوقت الذي أشار فيه شريف وخان، في 16 مارس/آذار، إلى استعدادهما لحل خلافاتهما من خلال المفاوضات السلمية. لسوء الحظ، بينما كان كل طرف ينتظر الآخر لبدء العملية، قامت مجموعات، معارضة للمصالحة، على كلا الجانبين، بخرق حالة الجمود هذه من خلال اتخاذ إجراءات يائسة، مما أدى إلى محو أي تفاؤل بإمكانية حدوث انفراج سياسي.
هناك حاجة ماسة للتقارب بين شريف وخان من أجل استقرار باكستان، لكن بعض الأفراد في الدوائر القريبة للزعيمين لا يرغبون في لقائهما. وبدلاً من ذلك، فإن هؤلاء المعارضين على استعداد للقيام بمغامرة مُميتة قد تؤدي إلى التدمير الذاتي لشريف وخان على حد سواء. في حالة حدوث شيء ما لهذا الأخير، فإنه بالفعل قد تم اختيار خليفة لرئاسة حزبه. في حين أن مثل هذه الأخبار غير مُفضلة لمؤيدي خان المخلصين، حيث أعطت بعض الانتهازيين داخل حركة إنصاف الأمل في محوه من الساحة السياسية من أجل اغتنام ثمار كاريزمته وشعبيته لأنفسهم. من ناحية أخرى، أدت المحاولات، المفرطة في الطموح، لكبح جماح خان وأنصاره المزعومين في المؤسسة القضائية والعسكرية من قِبَل مريم نواز، نائبة رئيس الحزب الحاكم، الرابطة الإسلامية الباكستانية، إلى نتائج عكسية، ووضعت رئيس الوزراء شريف في موقف محفوف بالمخاطر.
في ظل هذه الخلفية السياسية، لماذا يريد خان وشريف المصالحة؟ للإجابة على هذا السؤال، يحتاج المرء إلى النظر في الكيفية التي تخلق بها هذه التوترات عواقب غير مسبوقة لكليهما.
عندما يتعلق الأمر بخان، فإن الاشتباكات الأخيرة قد زادت من محنته فقط؛ بينما يستمر خان في إثارة الغضب الشعبي في محاولة للضغط على الحكومة والقضاء والجيش لضمان إجراء انتخابات مبكرة في إقليم البنجاب وإقليم خيبر بختونخوا، فإن نهج المواجهة الذي يتبعه قد ينتج عنه نتائج غير مواتية وسيسبب له المصاعب عاجلاً أم آجلاً. من المحتمل أن يدرك خان أنه إذا لجأ أنصار حزبه إلى العنف الخطير، فلن يفقد فقط فرصة المنافسة في الانتخابات في ذروة الشعبية السياسية لحزبه، ولكن سيتم إعلانه أيضًا خارجًا عن القانون. في مثل هذا السيناريو، سيكون خان هو الخاسر النهائي. على الرغم من أنه أثبت مرارًا وتكرارًا أنه قادر على ممارسة السيطرة السياسية على الدولة من خلال الفوز بنوع من الشرعية الأخلاقية من الجمهور الغاضب والمشحون سياسيًا، إلا أنه افتراضيًا يتوق إلى الشرعية القانونية، والتي لا يمكن منحها إلا من خلال مؤسسات الدولة عن طريق الانتخابات. بدون تأمين مثل هذه الشرعية القانونية، سيجد خان نفسه خارج العملية الديمقراطية المتعارف عليها. سواء كان راغبًا أو غير راغب، لا يستطيع خان إدارة دولة موازية أو حكم الجماهير كفاعل دون الدولة. لذلك يجب أن يظل داخل النظام السياسي إذا كان يريد الاستمرار في قيادة باكستان، الأمر الذي يتطلب اتفاقًا مشروطًا بالتنازلات. وفي هذا السياق، رفضت الدائرة المقربة من مستشارين خان الأذكياء قراره بحشد الجماهير في مواجهة مباشرة مع قوات الأمن، ووصفوها بأنها انتحار سياسي. ومع ذلك، يبدو أن خان لا يستمع لنصائحهم.
مثلما الحال مع خان، يتعامل شريف أيضًا مع عقبات سياسية كبيرة، ولديه الكثير على المحك. لقد فقد حزبه، الرابطة الإسلامية الباكستانية، بالفعل قدرًا كبيرًا من نفوذه السياسي في إقليم البنجاب، المقاطعة التي كان يحكمها سابقًا. وعلى الرغم من جهوده، إلا أن الحزب يفتقر إلى خطة سياسية متماسكة لاستعادة السيطرة على هذه المنطقة. في غضون ذلك، يتعرض رئيس الوزراء لضغوط من القيادة العليا للحزب، بما في ذلك مريم نواز، لضمان العودة الآمنة لشقيقه الأكبر ورئيس الوزراء السابق نواز شريف من لندن. لضمان الإحياء السياسي لنواز شريف، يحتاج شهباز إلى التوصل لاتفاق مع خان بقدر ما يحتاج إلى المؤسسة العسكرية إلى جانبه. ومع ذلك، فإن التوترات المتزايدة داخل حزب الرابطة الإسلامية الباكستانية أزعجت رئيس الحكومة الباكستانية. إن السيطرة على وقيادة حزب تم تقويض سرديته السياسية وموقعه الأساسي بشكل خطير بسبب الصراعات الداخلية والانقسام المتزايد بين أولئك الذين يريدون البقاء على علاقة جيدة مع المؤسسة العسكرية القوية، وأولئك الذين يطالبون بالابتعاد الصريح عنها، يمثل تحديًا كبيرًا بالنسبة لرئيس الحكومة. تحدي آخر يواجهه شريف، هو تجنب فقدان دعم حلفائه في ائتلاف الحركة الديمقراطية الباكستانية، ومواجهة العزلة إذا قدم أي تنازلات لخان. لقد نأى ائتلاف الحركة الديمقراطية الباكستانية بنفسه بالفعل عن اقتراح شريف للمصالحة مع زعيم حركة إنصاف الشعبوي.
قد تؤدي المفاوضات إلى حصول خان على عفو، لكنه سيضطر بعد ذلك إلى التخلي عن حملته السياسية لشيطنة خصومه التي كان يشنها علنًا حتى الآن. خان، الذي طوّر سياسات الهوية من خلال إنشاء وتعزيز صورته العامة كضحية بنجاح، وتشويه صورة التحالف الحاكم كمجموعة من المحتالين، يفتقر إلى برنامج سياسي واضح لجذب الناخبين بأي طريقة أخرى. ستضيع فرصه في حشد الجماهير إذا اختفت صورة الضحية. من المؤكد أن خان قد غرس معتقدات شعبية في الفكر العام، ولكن من المهم أيضًا التفكير بعناية فيما إذا كان نهجه يمكّن الناس حقًا أم لا. وعلى نفس المنوال، فإن أي محاولة من جانب الحكومة لاستخدام الدولة كأداة لتعزيز مصالحها الشخصية، وإساءة استخدام سلطتها من خلال استخدام احتكارها للعنف لتصفية حسابات شخصية، يقوّض شرعية الدولة وسيادتها.
على الرغم من أن المعارضة والعصيان المدني والدفاع عن النفس وحرية التعبير والمشاركة السياسية والممارسة الجيدة للسلطة هي مكونات أساسية للنظام الديمقراطي، إلا أن إساءة استخدامها يؤدي إلى أزمة الديمقراطية، التي تخدم القوى غير الديمقراطية جيدًا. إن المسار الحالي للمشاركة بين خان والحكومة الائتلافية الحاكمة هو مثال رئيسي على أزمة الديمقراطية، حيث لا يمكن للنخب السياسية، أو أتباعهم، القيام بخيارات منطقية. إن النظام الديمقراطي الباكستاني في خطر، لكنه لا يزال قائماً في الوقت الحالي، على الأقل من الناحية النظرية، مما يضمن مساحة لحل الخلافات السياسية. ومع ذلك، سيعاني جميع الفاعلين السياسيين، الذين يأملون في أن يقودوا الدولة يومًا ما، نتيجة نشر التشدد الحاد في الفضاء السياسي للبلاد. يُظهر التاريخ أن الفوضى والانفلات الأمني يصبحا العرف الجديد عندما يتحدى الأشخاص، الذين يفقدون الثقة في الدولة، سلطتها، في الوقت الذي تتبنى فيه الدولة العنف في تفاعلها الطبيعي مع الناس. شهدت باكستان بالفعل حوادث عدالة الغوغاء. ومع ذلك، فإن فكرة وقوع السياسيين في أيدي العصابات الخارجة عن القانون هي أزمة كبيرة بحد ذاتها.
الاتجاه الذي وضعه خان، والمُتمثل في استخدام المظاهرات الضخمة للضغط على وتحدي نظام الدولة، من المُرجح أن يؤدى هذا إلى أن يحذوا أقرانه حذوه. إذا كان خان محظوظًا بما يكفي لانتخابه رئيسًا للوزراء في الفترة المقبلة، فسيتعين عليه التعامل مع أفعال مماثلة من جانب منافسيه. من ناحية أخرى، تحتاج الحكومة الائتلافية الحالية إلى إدراك أن السياسات الانتقامية تولد حلقة مفرغة من شأنها أن تسمح لسياسيها بالوقوع في فخ من صنعهم. بمعنى آخر، ستكون مسألة وقت فقط قبل أن يواجهوا نفس المصير بمجرد أن يفقدوا السلطة. تواجه باكستان تأثير الدومينو السياسي: إذا سقطت شخصية بارزة واحدة، فسيتبعها الآخرون. في ظل هذه الظروف، من المستحيل التقليل من شأن الآثار المخيفة للحرب الأهلية على قدرة كل فاعل سياسي على البقاء. وعلى الرغم من أنه يُنظر إلى المفاوضات على أنها الدواء الوحيد للاضطراب السياسي المتنامي في باكستان، فإن الدواء أحيانًا يسبب ضررًا أكبر من العلاج. في هذا السباق مع الزمن، لا يهم ما يأمل شهباز شريف وعمران خان في تحقيقه إذا جرت المفاوضات في يوم من الأيام. ما يهم هو النتيجة التي سيحققونها، والتي من السابق لأوانه التنبؤ بها حاليًا.
نادي علي صليريه عمل لأكثر من خمس سنوات مع المنظمات الدولية ومراكز الفكر في أدوار مختلفة، كباحث سياسي ومستشار سياسي وخبير في السلام، وعمل في مجال حقوق الإنسان. يعمل حاليًا كمساعد باحث للدكتور مارفن وينباوم، مدير وحدة دراسات باكستان وأفغانستان في معهد الشرق الأوسط.
تصوير فاروق نعيم/صورة من وكالة فرانس برس/جيتي إيماجيز.
معهد الشرق الأوسط مؤسّسة مستقلّة وحياديّة وتعليمية لا تبغي الربح. لا يشارك المعهد في أنشطة المناصرة، وآراء الباحثين لا تعبّر عن آراء المعهد. يرحّب معهد الشرق الأوسط بالتبرّعات المالية، لكنّه يحتفظ بالحقوق التحريرية الحصرية في أعماله، كما أنّ المنشورات الصادرة عنه لا تعبّر سوى عن آراء كتّابها. يرجى زيارة هذا الرابط للاطّلاع على لائحة بالجهات المانحة لمعهد الشرق الأوسط.