إيران وديناميّات النزاع الجيوسياسي في الشرق الأوسط
ديسمبر 27, 2023
زكية يزدان شناس
تشهد منطقة الشرق الأوسط تحوّلات كبرى مع بروز اتّجاهَيْن متضاربَيْن في الوقت نفسه، أوّلهما يتعلّق بخفض التصعيد في الخليج العربي، والثاني بالجولة الجديدة من القتال بين الفلسطينيّين والإسرائيليّين. ويأتي هذا التحوّل بعد مرحلة من التدخّل العسكري الأمريكي الواسع النطاق في المنطقة، وثورات الربيع العربي وإخفاقاتها، ونشوء تنظيم "الدولة الإسلامية" وسقوطه، وسلسلة من النزاعات الشديدة التي تُخاض بالوكالة. وبالرغم من أنّ جهات فاعلة في المنطقة اتّخذت خطوات ترمي إلى خفض التوتّرات في السنوات الأخيرة –على سبيل المثال، أعطت المملكة العربية السعودية الأولوية للتنمية الاقتصادية بناءً على رؤية 2030، وأعادت تركيا ضبط علاقاتها الثنائية مع دول مجلس التعاون الخليجي، وانتهى الحصار المفروض على قطر مع توقيع بيان العُلا في كانون الثاني/يناير 2021، وقطعت إسرائيل شوطًا كبيرًا في سعيها إلى تحقيق التكامل الإقليمي من خلال اتفاقيات إبراهيم ومحادثات التطبيع مع السعودية، كما أعادت طهران والرياض إحياء علاقاتهما الدبلوماسية بعد انقطاع دام سبع سنوات– تذكِّرنا هجمات السابع من تشرين الأول/أكتوبر بأنّ الشواغل الأمنية في المنطقة لن تُحلّ إلا من خلال معالجة الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي. في خضمّ ذلك كلّه، تحاول إيران الاستفادة من الأوراق التي بين يديها بالشكل الأمثل، وتحديد موقفها من مسار خفض التصعيد في المنطقة ومن النزاعات الجديدة التي تندلع في الشرق الأوسط.
إيران ومسار خفض التصعيد في خضمّ الأزمات الإقليمية
تَعتَبِر إيران أنّ مسار خفض التصعيد الحالي في منطقة الخليج العربي هو ثمرة إنجازاتها الأمنية على مدى العقد المُنصرم. فتعتقد طهران أنّ هدفها الإقليمي المُعلَن يتحقّق ويكتسب شرعية بعد طول انتظار، ما يمهّد الطريق نحو مصالحة إقليمية. ووفق تقديرات السلطات الإيرانية، باتت إيران القوّة الجيوسياسية المُهيمنة في الشرق الأوسط نتيجة التطوّرات الإقليمية التي أعقبت ثورات الربيع العربي. وعليه، تَعتَبِر هذه السلطاتُ أنّ السعودية وغيرها من الدول العربية باتوا أكثر استعدادًا لتحسين علاقاتهم مع إيران لأنّهم أدركوا أنه لا مفرّ من الاعتراف بإيران كلاعبٍ إقليميٍّ فعَّالٍ. خلال إطلالةٍ تلفزيونيَّةٍ في وقت سابق من هذا العام، شدّد محمد جمشيدي، نائب رئيس مكتب الرئيس إبراهيم رئيسي للشؤون السياسية، على إنجازات إيران في الشرق الأوسط على مدى العقد المُنصرم، وأكَّد أنّ مسار خفض التصعيد الحالي بين الجهات الفاعلة الإقليمية والرغبة المتزايدة في تحقيق التكامل بينها هما نتيجة السياسة الإقليمية الناجحة لإيران والتزامها بنهج "المقاومة".
منذ ثورة العام 1979، تعتبر إيران نفسها جهةً إقليميةً فاعلةً أساسيةً مُستثناةً من النظام الذي أنشأته الولايات المتّحدة للشرق الأوسط. وكونها شعرت بأنّها مُهدَّدة من الولايات المتّحدة وحلفائها في المنطقة، اعتمدت إيران نهجًا دفاعيًّا، وقامت عقيدتها الأمنية على درء التهديدات التي تطال وحدة أراضيها واستمرار نظامها السياسي. في هذا السياق، منحت ثورات الربيع العربي وانسحاب الولايات المتّحدة من العراق عام 2011 القوى الإقليمية هامشًا أوسع من المرونة والقدرة على المناورة. واستغلّت إيران هذه الفرصة لاتّباع نهج أكثر هجوميّة بهدف توسيع نفوذها وقوّتها في المنطقة. وترى طهران أنّ جهودها قد أتت بثمارها، إذ تمكّنت من تحقيق معظم أهدافها الأمنية. وعليه، تحوّلت إيران من قوّة "تعديليّة" إلى قوّة أمر واقع.
لكنّ السؤال الذي يطرح نفسه هو كيف ترى إيران مستقبل المنطقة بعض خفض التصعيد، وكيف ترى علاقاتها الثنائية بخصومها الإقليميّين في المرحلة المقبلة، وخصوصًا المملكة العربية السعودية؟ يمكن الإجابة على هذا السؤال عبر التعمُّق في كلمة الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي في الجمعية العامة للأمم المتّحدة في أيلول/سبتمبر. باختصار، تَعتَبِر إيران أنّ الاستقرار الأمني والتنمية الاقتصادية في المنطقة مترابطان. فبحسب رئيسي، يعتمد الاستقرار الأمني في الشرق الأوسط على التعاون الاقتصادي المُجدي بين القوى الإقليمية والتنمية الشاملة. تُدرِك إيران أنّ السعودية تسعى إلى تعزيز استقلاليتها الأمنية وتنويع خيارات السياسة الخارجية المُتاحة لها، وهي غير مستعدّة لتمهيد الطريق أمام الرياض للمضيّ قدمًا في برامجها التنموية. ففي حال استشعرت إيران أنّ مسار خفض التصعيد يُفيد خصمها الإقليمي الأبرز أكثر مما يفيدها، قد تعمد إلى عكس هذا المسار برمّته.
تساهم الحرب الدائرة حاليًا في الشرق الأوسط أيضًا في منح إيران المزيد من الخيارات. لذا، قد يؤدي تعزيز العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية والسياسية على المستويَيْن الثنائي والمتعدّد الأطراف إلى إبقاء المجال مفتوحًا أمام تحقيق السلام والاستقرار. ففي حين أنّ تغيير اصطفافات دول المنطقة القائمة منذ سنوات طويلة بعد صديق وعدو ليس بالأمر السهل، لا بدّ من التخلّي عن المنظور الأمني إزاء المسائل الإقليمية كشرط مُسبق لمواصلة خفض التصعيد في منطقة الخليج العربي. ويمكن للقوى الخارجية مثل الولايات المتّحدة والاتّحاد الأوروبي والصين أن تؤدّي دورًا بنّاءً في تحقيق الاستقرار في المنطقة. ومن بين التدابير الأوّلية التي قد تساهم في تدعيم مسار خفض التصعيد الإقليمي إعادة إحياء المفاوضات بشأن برنامج إيران النووي وعقد قمّة تجمع بين إيران ودول مجلس التعاون الخليجي. وبصفتها شريكًا استراتيجيًّا لمعظم دول الخليج العربي، يمكن للصين أداء دور فاعل في تعزيز العلاقات المتعدّدة الأطراف بين إيران ودول الخليج العربي.
حرب غزّة والأوراق التي تحملها إيران في جعبتها
أعلن المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي أنّ إيران لا تقف خلف الهجمات التي نفّذتها حركة "حماس" ضدّ إسرائيل في السابع من تشرين الأول/أكتوبر، كما دعا صانعو السياسات الإيرانيون إلى وقفٍ فوريّ لإطلاق النار في غزّة. إلا أنّ الحرب الدائرة في غزّة أتاحت لإيران فرصة كبرى لتدعيم إنجازاتها الإقليمية والسعي إلى تحقيق أهداف جديدة. أولًا، أثبتت الحرب صحّة الاعتقاد الإيراني القائل إنّ تطبيع العلاقات بين الدول العربية وإسرائيل لا يضمن الأمن والاستقرار في المنطقة، بل يؤدي إلى انعدام الاستقرار والفوضى. ثانيًا، فرضت هذه الهجمات عدّة تحدّيات داخلية على حكومة نتنياهو، ما يجعل احتمال بقائها في السلطة ضئيلًا. ثالثًا، وعلى الرغم من نفي إيران القاطع ضلوعها في النزاع، أثبت دورها الأساسي في "محور المقاومة" أنّها طرف لا يُستهان به للقوى الخارجية، بما فيها الولايات المتّحدة. وقد أظهرت حالةُ الفوضى هذه للقوى الإقليمية والعالمية أنّه لا يمكن إعادة ترتيب النظام الإقليمي من دون إشراك إيران.
لا تزال نتيجة الحرب في غزّة غير واضحة حتى الآن. وبحسب وكالة "رويترز"، قال خامنئي في اجتماع مع القيادي في حركة "حماس" إسماعيل هنية في أوائل تشرين الثاني/نوفمبر إنّ إيران لن تتدخّل مباشرةً في النزاع نيابةً عن "حماس"، كونها لم تتلقَّ تحذيرًا مُسبقًا بشأن هجمات السابع من تشرين الأول/أكتوبر. غير أنّ خامنئي شدّد على دعم إيران السياسي والمعنوي الثابت لـ"حماس"، وأعاد التأكيد على أنّ إيران لن تتدخّل إلا في حال تعرّضها لهجوم مباشر من إسرائيل أو الولايات المتّحدة. بالرغم من هذا الموقف، أتاح هذا النزاع عدّة أوراق مساومة مهمّة لإيران. فنظرًا إلى نفوذها الكبير في "محور المقاومة"، تؤدي إيران دورًا أساسيًّا في توسيع أو تضييق نطاق الحرب، كما يمكنها أن تعمل كوسيط غير رسمي لتسهيل التوصّل إلى وقف لإطلاق النار أو صفقة لتبادل الأسرى، كما فعلت حين توسّطت بين "حماس" ومسؤولين تايلانديّين للإفراج عن 23 محتَجَزًا تايلانديًّا في أواخر شهر تشرين الثاني/نوفمبر. كذلك، فإنّ نظرة مواطني الدول العربية إلى الوضع في غزّة تختلف عن نظرة النخب العربية الحاكمة، وتفاقم هذه الفجوةُ التحدّيات التي تواجهها دول الخليج العربي من جهة الالتزام باتفاقيات إبراهيم والدور الذي تؤديه هذه الاتفاقيات في مواجهة النفوذ الإيراني.
بعد أن استُثنيَت من النظام الإقليمي الذي أنشأته الولايات المتّحدة إبّان ثورة العام 1979، تكيَّفت إيران مع الوضع المستجدّ وسَعَتْ إلى حماية مصالحها الأمنية وسط حالة من الفوضى والأزمات الإقليمية. وفي حين تدعم إيران إنشاء آلية أمنية إقليمية محلية، إلا أنّها تدرك أنّ الولايات المتّحدة لن تنسحب من الشرق الأوسط بالكامل في المستقبل القريب، كما أنها تعي أنّ دول الخليج تسعى إلى تعزيز علاقاتها الأمنية مع واشنطن. لذا، تَعتَبِر إيران أنّ النزاعات الجيوسياسية والأمنية في المنطقة تشكّل فرصةً لترسيخ مكانتها والاستفادة منها لحماية مصالحها الوطنية.
زكية يزدان شناس زميلة أبحاث أولى في مركز الدراسات الاستراتيجية للشرق الأوسط في طهران. حسابها على "تويتر": @YzdZakiyeh.
معهد الشرق الأوسط مؤسّسة مستقلّة وحياديّة وتعليمية لا تبغي الربح. لا يشارك المعهد في أنشطة المناصرة، وآراء الباحثين لا تعبّر عن آراء المعهد. يرحّب معهد الشرق الأوسط بالتبرّعات المالية، لكنّه يحتفظ بالحقوق التحريرية الحصرية في أعماله، كما أنّ المنشورات الصادرة عنه لا تعبّر سوى عن آراء كتّابها. يرجى زيارة هذا الرابط للاطّلاع على لائحة بالجهات المانحة لمعهد الشرق الأوسط.