MEI

تجريب المجرَّب: هل إعادة تفعيل السلطة الفلسطينية كفيل بأن يقود المنطقة نحو مستقبل أفضل في "اليوم التالي"؟

يناير 17, 2024


مشاركة

فلاديمير بران وناثان ج. براون

حين اتّضح حجم الهجوم الذي شنَّته حركة "حماس" على إسرائيل في 7 تشرين الأوّل/أكتوبر، أصبح من المؤكّد أن التسوية المؤقّتة التي تكرّست على مرّ السنين والعقود بين إسرائيل و"حماس" لم تعُد قابلةً للاستمرار. وبالفعل، سرعان ما وضعت القيادة الإسرائيلية سلسلةً من الأهداف السياسية الطموحة نصب عينيْها، عمادُها تدمير قوّة "حماس" العسكرية وقدرتها على الحكم.

بالتالي، لن تنتهي الحملةُ العسكريّةُ الإسرائيليّةُ في تاريخٍ محدَّد، بل ستؤدي أهدافُها المعلنة إلى حضورٍ عسكري وأمني إسرائيلي مقلَّص وإنّما دائم داخل قطاع غزة. ولا تزال خطط إدارة القطاع مُبهَمة: من سيحكمه؟ هل سيكون فيه سلطة حاكمة أساسًا؟ وكيف سيُدار أمن سكّان غزة، وليس فقط أمن الإسرائيليّين؟ للتوصّل إلى أجوبةٍ، يعمل عددٌ كبيرٌ من المسؤولين على التخطيط "لليوم التالي" بعد انتهاء الأزمة، ويسعى كبار المسؤولين في الولايات المتّحدة وغيرهم إلى تعزيز التنسيق بين الأطراف الإقليمية. ولكنْ، يبدو أنّ كلّ الخطط الطموحة التي أُفصِح عنها، أو تمّ التداول بها في الكواليس حتّى الآن، لن تُفضي إلى النتائج المرجوّة: فهي مبنية على أفكار سبق أن طُبِّقَت وتبيّن أنها شائبة، لا بل كارثيّة في بعض الحالات، ولا سيّما الاعتقاد بإمكانيّة تحسين الحوكمة الفلسطينيّة من دون الاعتراف بفلسطين (ككيان سياسي)، أو بأنّ "إصلاح" السلطة الفلسطينية وفقًا للمعايير المحدّدة دوليًّا سيأخذ الأحداث في اتجاهٍ أفضل. تلك الافتراضات هي التي أنتجت الظروف السائدة حاليًا؛ حيث نرى أنّ قادة إسرائيل وحركة "حماس" يلجأون إلى العنف العشوائي لاعتقادهم بأنّه أفضل طريقةٍ لكسب التأييد الداخلي. ويجري تطبيق نموذج من خطط الإصلاح التي تُناقش الآن، ما سيؤدّي على الأغلب إلى تعميق الأزمة التي تأتّى عنها هذا الكمّ المروّع من الأحداث الدامية، بدلًا من معالجة المأزق.

التخطيط كغاية في حدّ ذاته، لا كوسيلة

في الأسابيع التي تلت 7 تشرين الأول/ أكتوبر، لم يتطرّق أحدٌ إلى مرحلة ما بعد الأزمة، ما أثار حتّى قلق الداعمين للحملة العسكريّة الإسرائيليّة الذين كانوا واثقين من نجاحها. ولكن في غضون أيامٍ قليلة، سارع المحلّلون ومراكز الدراسات في كافّة أنحاء العالم إلى عرض أفكارهم حول "اليوم التالي" بعد انتهاء الأزمة، في حين راح الدبلوماسيون الأجانب يضغطون على القيادة الإسرائيلية لمعرفة نواياها. في عددٍ من السيناريوهات المطروحة، يُقترَح أن تتحمّل الأمم المتّحدة، أو مصر، أو تحالف إقليمي متعدّد الجنسيّات، مسؤوليّة تولّي الأمن والحكم في قطاع غزة؛ لكنّ معظم هذه الأفكار تلاشت منذ ذلك الحين نتيجة رفض الجهات المعنيّة رفضًا قاطعًا الأدوار التي أُنيطت بها.

وقد دعا وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن، في حديثه عن كيفية معالجة الفراغ في السلطة في 31 تشرين الأول/أكتوبر، إلى "إعادة تفعيل السلطة الفلسطينية وتعزيزها" لتتولَّى الحكم في قطاع غزة؛ وفي 18 تشرين الثاني/نوفمبر، أبدى الرئيس جو بايدن تأييدَه الكامل للفكرة، آملًا بالتوصّل إلى حلٍّ طويل الأمد، ولكنّه لم يُعطِ أيّ تفاصيل إضافيّة: "بينما نسعى جاهدين من أجل تحقيق السلام وتطبيق حلّ الدولتَيْن، يجب إعادة توحيد قطاع غزة والضفة الغربية تحت هيكليّة حكمٍ واحدة، وفي نهاية المطاف تحت سلطة فلسطينيّة مفعّلة". بعث تصريح الرئيس بايدن هذا رسالةً واضحةً إلى السلطة الفلسطينيّة، مفادُها أنّ الولايات المتحدة تريد من القيادة في رام الله تحمُّل مسؤوليّة إدارة قطاع غزّة بعد انتهاء النزاع، مع الإقرار ضمنًا بأنّ السلطة الفلسطينيّة ليست قادرةً على أداء هذه المهمّة ولا ترغب في ذلك. ومع استمرار رفض القادة الفلسطينيين العودة إلى غزّة "على دبابة إسرائيلية"، أوضحت الولايات المتحدة أن السلطة الفلسطينية في حاجةٍ إلى "إعادة تفعيل" أوّلًا. ولكنّ بايدن لم يوضّح ما المقصود بمصطلح "التفعيل"، واقترح أن يتزامن هذا التفعيلُ مع "العمل الجماعي نحو حلّ الدولتَيْن"، من دون الخوض في تفاصيل شروط هذا العمل ومستلزماته.

منذ تلك التصريحات، لم تظهر إلى العلن سوى تفاصيل قليلة حول المقصود بمصطلح التفعيل، وكيف يمكن تحقيق هذه المهمّة ومن سيتولّاها. ولكن داخليًّا، وبعيدًا عن الأضواء، يناقش الدبلوماسيّون الأمريكيّون والأوروبيّون المكلَّفون بصياغة سياسات بلادهم السيناريوهات المُحتَمَلة، ويسعون للحصول على مساهمات من الخبراء في الشؤون الفلسطينيّة. وقد فتحوا قنوات تواصل أيضًا مع شخصيّاتٍ سياسيّة وأمنيّة فلسطينيّة، بمن فيهم مسؤولون سابقون في السلطة الفلسطينيّة وجهات فاعلة سياسيّة في الشتات. وقد نصح الأمريكيّون، الذين يقودون هذه الجهود، السلطةَ الفلسطينيّة بمعالجة الفساد وتعيين رئيس وزراء جديدٍ يتمتّع بصلاحياتٍ أوسع، بما في ذلك صلاحية تعيين الوزراء. وتشير التقارير الإعلاميّة الدوريّة والمحادثات التي أجراها المؤلّفان إلى أن الدبلوماسيّين يدرسون فكرة تقليص دور رئيس السلطة الفلسطينيّة ليصبح رمزيًّا، ولكن ما من تقارير تفيد بمناقشة هذه الخطوة بالفعل مع الرئيس محمود عباس.

إصلاح السلطة الفلسطينية: مجرّد وهم؟

صرّح كبار المسؤولين الإسرائيليين، ومن بينهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، مرارًا وتكرارًا أنّه لا ينبغي أن تحكم السلطة الفلسطينيّة قطاع غزّة، فيما أطلقت مصادر في الجيش وجهاز الأمن العام الإسرائيليَّيْن شائعاتٍ عن تعاون إسرائيليّ مع زعماء العشائر المحليّين. وقد ظهرت مؤشّرات تدلّ على هذا التوجّه في الضفة الغربية على ما يبدو، معيدةً إلى الذاكرة السياسة الإسرائيليّة في العقود السابقة لاتّفاقات أوسلو. حتى إنّ الإسرائيليّين الذين يتحدّثون بشكلٍ أكثر دبلوماسيّة عن السلطة الفلسطينيّة ما زالوا يعتبرون أنّ حلّ الدولتَين هو لعنة حلّت عليهم، على الأقلّ في الوقت الحالي.

لذلك، سارع بعضُ المسؤولين الإسرائيليين السابقين إلى طرح أفكارٍ أرادوا الإيحاء بأنّها مفيدة (مثلًا: على حماس إطلاق سراح جميع الرهائن وإخلاء قطاع غزة حتّى تتمكن الجهات الفاعلة الدوليّة -غير تلك التي تتمتّع بالخبرة الفعليّة- من إعادة الإعمار)، ولكن بطبيعة الحال لا يبدو أنّهم نجحوا في إقناع الجهات المعنيّة بمثل هذه الأفكار. ومن بين هذه الجهات حركة "حماس" التي لم تفقد مقوّمات الصمود بعد ولا تبدو نادمةً على أفعالها، والدول العربيّة الحريصة على تجنّب ورطةٍ ليست من صنعها، وهيئات الأمم المتحدة التي قاومت الإصرار الإسرائيليّ على تعاونها في نقل سكّان غزّة إلى مخيّمات كبرى. ويبدو أنّ من يطرحون مثل هذه الأفكار يحظون بدعمٍ كبير: إذ تتجاهل غالبيّة الدراسات التحليليّة التي نُشرت حول "اليوم التالي" تصريحات الأطراف المعنيّة بالنزاع وما تقبله أو ترفضه تمامًا.

ويظهر أن المسؤولين الأمريكيين يتعاملون مع رفض السلطة الفلسطينية بأقل قدر من الجديّة، ما يثير تساؤلات حول دور السلطة الفلسطينيّة "المفعّلة" في قطاع غزة، ولا سيّما أنّ قادتها يخفِّفون قليلًا من حدَّة رفضهم، لكنّهم يصرّون في الوقت نفسه على أن يقترن ذلك بتقدّمٍ حقيقيٍّ نحو ("مسار") الاعتراف بفلسطين كدولةٍ ذات سيادة.

غير أنّ هذا المنطق يَتَجاهل أسبابَ انعدام فاعلية السلطة الفلسطينية حاليًا. فعللُ السلطة واضحة، وأبرزها أنّ قيادتها تتعرّض للتنديد على نطاق واسع باعتبارها غير ديمقراطية، وفاسدة، ومتخلّفة مؤسَّسيًّا، وغير فعّالة. فالسلطة الفلسطينيّة آخذة في التدهور منذ عقود. وقد أدّى عدم تحويل إسرائيل، في السنوات الأخيرة، عائدات الضرائب، إلى وضع السلطة الفلسطينيّة في مأزقٍ ماليٍّ خطير. وفي حين شكّلت هذه الانتقادات -ولا تزال- أساسَ المناقشات السياسيّة الفلسطينيّة الداخليّة لمدّة ربع قرن، عادةً ما يتمّ تجاهلها على المستوى الدولي عندما تحظى السلطة الفلسطينيّة بالرضا، ولكنّها تُنبَش من جديد في الظروف الشبيهة بتلك السائدة حاليًا، وتتمنّى عندها الجهات الفاعلة الدوليّة لو كانت السلطة الفلسطينيّة قادرة على الاضطلاع ببعض المهام التي تبدو غير قادرة على إنجازها.

تتغاضى هذه الانتقادات الانتقائيّة تجاه السلطة الفلسطينية عن حقيقة أنّ تلك الجهات الفاعلة الدوليّة نفسها مسؤولة عن عدم معالجة أوجه القصور المذكورة، لكنّها تقرّر تسليط الضوء عليها متى اعتبرت ذلك مؤاتيًا. وقد صُمِّمت الترتيبات الاقتصادية للسلطة بحيث تمرّ عبر مسؤولين معيَّنين (مثل المسؤولين في وزارة الشؤون المدنية الفلسطينية)، بطريقة تثير بالتأكيد شبهات الفساد. كما عُلّقت الأحكام الدستوريّة الخاصة بالانتخابات التشريعية بتأييدٍ واسعٍ من الولايات المتحدة وأوروبا في العام 2007؛ ومنذ ذلك الوقت، حظي تأجيلها المستمرّ بتأييدٍ دوليٍّ (أو على الأقل بتقبّلٍ دوليٍّ) خشيةً ممَّن سيفوز بتلك الانتخابات. وتبدو اليوم الانتخابات ذكرى من زمنٍ غابر، رغم أنّ احتمالات إجرائها كانت مرتفعة منذ عامَيْن، ولكنّها تحوّلت إلى فرصةٍ ضائعة قد لا تتكرّر قبل سنوات عدّة.

وأدّت التدفقات المالية الهادفة إلى دعم المؤسسات الفلسطينية والمجتمع المدني إلى اعتماد المستفيدين على علاقاتهم الخارجيّة أكثر من اتّكالهم على شرعيّتهم في الداخل. ولطالما كان الدعم الدولي لتطوير مؤسّسات السلطة الفلسطينيّة قائمًا على دعم أفرادٍ محدّدين وتقويض آخرين، ما يتنافى تمامًا مع مبدأ بناء المؤسسات. أمّا بالنسبة لعدم فاعليّة السلطة الفلسطينيّة –وهو السبب الأساسي خلف الانتقادات الداخليّة– فيعود ذلك ببساطةٍ إلى أنّ السلطة غير قادرة على تشكيل نواة الدولة المستقلّة التي وعد بها قادتها في البداية. والأسوأ من ذلك أنّ شرائح واسعة من المجتمع الفلسطيني تَعتَبِر أنّ الدور الوحيد الذي تؤدّيه السلطة بفاعلية هو الحفاظ على التزاماتها الأمنيّة غير الشعبيّة تجاه إسرائيل (ويبدو حتّى أنّ هذا الدور تزعزع في محطّات عدّة في السنوات الأخيرة). لذا، فإنّ إعادة تفعيل السلطة الفلسطينيّة جدّيًّا يجب أن تبدأ باعتبارها جزءًا من دولةٍ فلسطينيّة قابلة للحياة، لا بإطلاق وعود فارغة بإنشاء دولة فلسطينيّة يومًا ما.

استحضار الإصلاحيين: تاريخٌ يعيد نفسه

في سياق الحديث عن إعادة تفعيل السلطة الفلسطينيّة، تبدو الولايات المتّحدة وأوروبا عازمتَيْن على إصلاحها بالأسلوب نفسه الذي اعتمدتاه مرارًا وتكرارًا في الماضي: أسلوبٌ يبقيها فاسدةً وغير ديمقراطيّة ومتخلّفة مؤسّسيًّا وغير فعّالة، تمامًا كما كانت في الماضي، أو حتّى أكثر. ويبدو أنّ تركيزهما ينصبّ على إيجاد الأشخاص المناسبين للإشراف على الوفاء بالالتزامات الأمنيّة للسلطة الفلسطينيّة تجاه إسرائيل، وليس على تطوير المؤسّسات. وعليه، ينكبّ الدبلوماسيّون حاليًّا على البحث في السير الذاتيّة عن شخصيات فلسطينية قادرة على المساهمة في هذا المسعى.

وبالفعل بدأت بعض الشخصيات الفلسطينيّة في الشتات السياسيّ تحوم حول حطام السلطة الفلسطينيّة الغارقة. فنراهم يقدّمون النصائح، ويطرحون أنفسهم لمرحلة اليوم التالي للنزاع. بعضهم يقوم بذلك علنًا أمام الجمهور الغربي (كرئيس الوزراء الأسبق سلام فياض، الذي بدأ يوجّه رسائل وطنيّة للجمهور المحليّ أيضًا)، والبعض الآخر يتّخذ خطوات في الكواليس (السفير ووزير الخارجية الأسبق ناصر القدوة، المعروف بمسيرته الدبلوماسية)، بينما يتوجّه آخرون للجمهور العربي (القيادي السابق في حركة "فتح" محمد دحلان، الذي يحظى بدعمٍ كبيرٍ في الخليج). لا ينبغي تجاهل أيٍّ من هذه الجهود: ففياض يتمتّع بشبكة اتصالات دولية واسعة؛ والقدوة اسمٌ معروفٌ ومهمٌّ ولديه بعض الحلفاء؛ ولدحلان شبكة محسوبيّة تؤمّن له ناخبين كُثرًا. ويمتلك الثلاثة رصيدًا محليًّا مشتركًا، مع أنّه قد يحدُّ من حظوظهم على المستوى الدولي: فهُم ينادون علنًا بضرورة إشراك "حماس" في السلطة، وهو ما يمتنع كبار قادة "فتح" من القيام به بتوجيه من الرئيس عباس.

ويبقى السؤال: كيف سيتمكّن القائد المختار من القيادة؟ يبدو أنّ سيناريو "التفعيل" المُتداوَل حاليًّا يعني إصلاحًا محدودًا للسلطة الفلسطينيّة من خلال تعزيز صلاحيات رئيس الوزراء، ليتولّى الأخير قيادة حكومة "شاملة" شريطة استبعاد الجهات غير المرغوب فيها من المعادلة. ومع أنّ فكرة إشراك "حماس" تحظى بقبول على نطاقٍ واسعٍ حتّى من عددٍ كبيرٍ من الفلسطينيين الذين يعارضون الحركة بشدّة، إلّا أنّها شرُّ الشرور في العواصم الغربية. ويبدو أنّ الجهات الفاعلة الدوليّة تركز على احتمال تخلّي الرئيس عبّاس طوعًا عن السلطة وتسليم زمام الأمور إلى رئيس الوزراء، الذي سيكون على الأرجح أصغر سنًّا منه. في هذا السيناريو، ووفقًا لشائعاتٍ تناقلها بعض الفلسطينيين، يظلّ عبّاس رئيسًا رمزيًّا، لكنّه يتقاعد ويستمتع برفقة أحفاده في عمّان.

يكمن التحدِّي في هذا السيناريو في التشكيلة الداخليّة لحكومة عبّاس، التي تتألّف من شخصيّاتٍ تشغل مناصبَ رئيسيَّةً في السلطة الفلسطينيّة، ولكنها تفتقر إلى ما يكفي من الشرعيّة بين الفلسطينيين وفي حركة "فتح"، ولا يمكنها الاستمرار في تلك المناصب في غياب عباس. ويتمثّل التحدّي الآخر في أنّ عبّاس يعتبر نفسه جزءًا أساسيًّا من أيّ مفاوضاتٍ مُحتَمَلة مع الإسرائيليين بشأن إقامة دولةٍ فلسطينيّة، أو على الأقلّ الشخص الوحيد الذي انتُخب شرعيًّا. ويعتقد البعض أنّه يمكن تخطّي هذه العقبات بتدخّلٍ مصريّ وأردنيّ؛ إذ يملك كلٌّ من البلدَيْن ما يكفي من النفوذ لإجبار عباس على التنحّي، أو نبذه في حال رفض ذلك. كما يبدو أن عُمْر عبّاس هو ما يشكّل محور الخلاف، وبالتالي فإن اختيار أشخاص أصغر سنًّا من شأنه أن يحلّ المشكلة، وكأنّ ضعف السلطة الفلسطينيّة ينبع من عيوبٍ شخصيّة لا هيكليّة. ما من ضماناتٍ حتّى الآن بأنّ كبار القادة الذين سيتمّ تعيينهم سينفّذون بالفعل طلبات الأمريكيّين وغيرهم، أو أنّ مجموعة من القادة الشباب مختارة دوليًّا ستبدو أكثر فاعليةً أو شرعيّةً في نظر الرأي العام الفلسطيني. فعبّاس لا يحظى بشعبيةٍ كبيرة بسبب إخفاقاته، وليس بسبب سنّه.

تبدو كلّ هذه الأفكار مألوفة جدًّا لمن يتابع هذه القضية. فكأنّها نسخةٌ من وثائق اعتُمِدت منذ عقدَين من الزمن، ويُعاد تدويرها اليوم. حتّى إنّ الخطة تحظى بقبول الدوائر الدبلوماسيّة نفسها التي ساهمت في وصول الشخصيّات التي نراها اليوم إلى السلطة في المقام الأوّل. وبالتالي، يبرز نمطٌ ثابتٌ: يتمّ العثور على شخصيّة الساعة، وتُنفَّذ بعض الإصلاحات الداخليّة، وتضمحلّ الحاجة إلى أفقٍ سياسيّ لفلسطين.

في أوائل الألفيّة الثانية، نجح ائتلاف "الإصلاح" في إقناع الرئيس ياسر عرفات بالتوقيع على القانون الأساسي للسلطة الفلسطينية، وتعديل هذا القانون على الفور لإنشاء منصب رئيس وزراء "متمكّن"، ثمّ تعيين محمود عبّاس لشغل هذا المنصب. وبعد سنواتٍ قليلة، برز سلام فيّاض كشخصيّة الساعة، حاملًا معه وعد الإصلاح. وفي بيئةٍ كهذه، تقتصر فيها السياسة الفلسطينيّة على معركةٍ بين الشخصيّات، يسهل الخلط بين الثرثرة والتحليل، ويغيب التبصّر وبُعد النظر، فيُعتبر تغيير فريق العمل نجاحًا فوريًّا ويمضي الجميع قدمًا.

أمّا إذا طرح المحلّلون وصانعو السياسات أسئلةً أكثر واقعيَّةً، ليس عن اليوم التالي، بل عن السنوات المقبلة، فقد يتوصّلون إلى أفكارٍ أفضل. في الماضي، حاولوا على الأقلّ ربط الإصلاح بأفقٍ سياسيٍّ، على الرغم من العبارات المُلتبسة وغياب الالتزام الجدّي. وكان تعيين رئيس الوزراء جزءًا من "خريطة طريق إلى حلّ الدولتَين الدائم ترتكز على الأداء". وكانت هذه الوثيقة عبارة عن حزمة شاملة تضمّنت عددًا من البنود تبدو بعيدة المنال اليوم، ومنها: إنهاء العنف من الجانبَين؛ والاعتراف المتبادَل؛ وإعادة فتح المؤسّسات الفلسطينيّة في القدس الشرقيّة؛ وإقامة الدولة الفلسطينية في غضون ثلاث سنوات. وبعد سنواتٍ قليلة، أُشيد ببرنامج فيّاض الذي حملَ عنوان "إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة". وعلى الرغم من المديح والتصفيق، لم يثمر ذلك البرنامج عن إنهاء الاحتلال ولا عن إقامة الدولة.

أمّا اليوم، فيتمّ إغراء قيادة السلطة الفلسطينية بما هو أقلّ من خرائط الطريق والرؤى المستقبليّة. فلا يُعرض عليها سوى ضمانة عامة بأنّ إقامة الدولة الفلسطينية تشكّل نتيجة محمودة على المدى الطويل، من دون أن يحدّد أحدٌ كيف يمكن بلوغ هذا الهدف.

والنتيجة: شرعيّةٌ دوليّةٌ من دون سيادةٍ أو ديمقراطيةٍ أو مستقبلٍ مستدام

من المفترض أنّ تلك السيناريوهات لا تزال في طور الإعداد، وأن الخطط لم تكتمل بعد، وقد تتكشّف عناصر إضافيّة في الأشهر المقبلة. ولكن من غير المُستَبعَد أيضًا أن يقتصر تفعيل السلطة الفلسطينيّة على ما ذُكر أعلاه. وفي حال نجاح تلك الخطط، ستُسنَد إلى الرئيس عبّاس مهام تليق برئيسٍ متقاعد؛ وسيشكّل رئيسُ وزراء قويٌّ حكومةً "شاملةً" لا تضمّ حركة "حماس"؛ وسيتمّ اختيار زعيمٍ جديدٍ للفلسطينيين؛ وإضافة بعض الوجوه الأصغر سنًّا؛ وستواصل إسرائيل تدخلاتها الأمنية في غزة؛ وستقدّم الجهات الفاعلة الدوليّة المساعدة للسكان الذين أصبحوا بلا مأوى؛ وقد توفّر الجهات الفاعلة العربيّة بعض التمويل وربما نوعًا من الوصاية التي لا تتطلّب منها مشاركةً نشطة. وسوف تُترك أيّ مسألةٍ أخرى للمستقبل البعيد، وليس واضحًا إن كان سيُسمح لأيٍّ من سكان غزة ممّن لا تزال منازلهم قائمة بالعودة إليها أم لا.

ولكنْ، ما من ضمانة بأن يكون النظام الجديد موضع ترحيبٍ في أوساط الفلسطينيين لمجرّد حصوله على الشرعيّة من المجتمع الدولي. ولن تساعد هذه الخطّة على درء الشكوك حول مدى استقلاليّة رئيس الوزراء الجديد وعدم اعتباره دميةً يحرّكها المجتمع الدولي (وإسرائيل). إذ يبدو أنّ هذه الخطط تغفل واقع السياسة الفلسطينيّة (وخاصّةً داخل "فتح")، وأنّ الشرعية يجب أن تُكتسَب عن طريق الأداء في حال عدم القدرة على إجراء انتخابات (كما هي الحال في هذه المرحلة). وفي هذا السياق، يتطلّب الأداء الجيّد اتّخاذ إجراءاتٍ فعليّة نحو تحقيق السيادة الفلسطينيّة، وليس الاكتفاء بإطلاق خطاباتٍ رنّانة. ويشمل ذلك إنهاء الاحتلال ومنح الفلسطينيين الحرية في إدارة شؤونهم الخاصة، بما في ذلك انتخاب حكومتهم من خلال عمليّةٍ سياسيّةٍ ديمقراطيّةٍ تنافسيّة.

ولكن إذا لم تنجح الخطط التي سيُعلن عنها في التوصّل إلى تسوية تلبّي التطلّعات الوطنيّة الفلسطينيّة، سوف تُفضي إلى عواقب وخيمة. فعندها، يكون الهدف من هذه الخطط السماح بإدارةٍ دبلوماسيّة للوضع والتقليل من حدّة الصراع، مع الحفاظ على المكوّنات الأساسيّة التي أنتجت الصراع الحالي، كقنبلةٍ موقوتة قد تنفجر لأيّ سبب في المستقبل في المستقبل؛ فتؤدّي بسكّان غزّة إلى وضعٍ أسوأ بكثيرٍ من ذي قبل؛ وتُمعِن في تقويض قدرة المؤسّسات الفلسطينيّة واستدامتها؛ وتفاقم الإحباط الحالي إزاء المساعي الدبلوماسيّة لإنهاء الصراع (الذي يشعر به أغلب الإسرائيليين والفلسطينيين، ولو بطرقٍ مختلفة تمامًا).

في حال اقتصر "تفعيل" السلطة الفلسطينيّة على "تعزيز" دور مجلس الوزراء وإجراء تحسينات طفيفة على أسلوب الحوكمة، سيبقى قطاع غزة "مخيّمًا كبيرًا" ومصدرًا لعدم الاستقرار المتكرّر والمستمرّ في فلسطين وإسرائيل، يمتدّ تأثيره من دون أدنى شكّ إلى السلطة الفلسطينيّة في الضفّة الغربيّة. لذا، يجب أن تتضمّن الحزمة الشاملة مسارًا واضحًا لإنهاء الاحتلال. فقد تخلّى المجتمع الدولي، بقيادة الولايات المتحدة جزئيًّا، عن كلّ الحلول فيما عدا الدبلوماسيّة الواهنة والحديث الطموح والملتبس عن إقامة دولة فلسطينيّة منذ العام 2006. ويتطلّب إحياء هذه الفكرة خطواتٍ ملموسةً، مثل اعتراف الولايات المتحدة بدولة فلسطين بدلًا من الحديث عن إعادة إحياء دبلوماسيّة عصر اتّفاقات أوسلو يومًا ما. كما يتطلّب حوافز كبيرة وضغوطًا كبيرة على إسرائيل. وفي غياب المؤشرات على اتّخاذ مثل هذه الخطوات، لن يعدو "تفعيل" السلطة كونه استمرارًا للإصلاحات التي شهدناها طوال العقود الثلاثة الماضية، ولكنه سيسمح لزعماء اليوم بتوريث خلفائهم كلّ المشاكل العالقة.

يعمل فلاديمير بران منذ أكثر من عقدَين من الزمن مستشارًا للسلطات الانتخابية والحكومات والقادة السياسيين بشأن العمليات الانتقالية والانتخابية والسياسية، وخصوصًا في الشرق الأوسط، حيث ركّز على النظامَيْن السياسيَّيْن الفلسطيني والسوري.

 ناثان ج. براون هو أستاذ في العلوم السياسيّة والشؤون الدوليّة في جامعة جورج واشنطن وأستاذ مساعد غير مقيم في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي.

 

 

Read in English

معهد الشرق الأوسط مؤسّسة مستقلّة وحياديّة وتعليمية لا تبغي الربح. لا يشارك المعهد في أنشطة المناصرة، وآراء الباحثين لا تعبّر عن آراء المعهد. يرحّب معهد الشرق الأوسط بالتبرّعات المالية، لكنّه يحتفظ بالحقوق التحريرية الحصرية في أعماله، كما أنّ المنشورات الصادرة عنه لا تعبّر سوى عن آراء كتّابها. يرجى زيارة هذا الرابط للاطّلاع على لائحة بالجهات المانحة لمعهد الشرق الأوسط.

متعلق بالمنطقة

البريد الالكتروني
احصل على أحدث الإحاطات السياسية من معهد الشرق الأوسط وتنبيهات الفعاليات وكل ما هو جديد. ليصلك كل ذلك مباشرة من خلال البريد الإلكتروني الخاص بك